Friday, October 25, 2019

كيف يصلي المسلمون في بلاد تغيب فيها الشمس لأشهر طويلة؟

في منتصف ليلة السابع والعشرين من يوليو/تموز، كنت من بين العشرات الذين تدفقوا على قمة جبل ستورشتاينن في مدينة ترومسو النرويجية الواقعة إلى الشمال من الدائرة القطبية الشمالية. البعض صعد راجلا، بينما نُقِل آخرون إلى القمة بواسطة قطار يعمل بالكوابل (تليفريك).

وكان هدف الجميع واحدا، وهو أن يرقبوا غروب شمس لم تغب عن سماء ترومسو منذ شهرين كاملين. وبالفعل اختفت الشمس وامتزجت أشعتها بالألوان الوردية والبنفسجية والبرتقالية، التي تكسو صفحة السماء في منطقة القطب الشمالي. وما هي إلا ساعة، حتى عاودت الظهور، مُستهلة بذلك سلسلة الأيام التي تتقلص فيها فترة النهار تدريجيا في هذه المدينة النرويجية، حتى نصل إلى فترة منتصف الشتاء، التي يبدأ فيها غياب أشعة الشمس طوال الوقت.

اللافت أن السكان المسلمين للمدينة لم يكترثوا كثيرا بالمشهد، رغم عددهم الكبير. وكلما كنت أحدث أيا منهم عن الإظلام الكامل الوشيك، لم يكن يرد عليّ سوى بهز كتفيه تعبيرا عن الاستخفاف بما أقول. لكن خلف هذه اللامبالاة، تكمن قصة تتشابك فيها خيوط الحنين إلى الماضي ومحاولات التوافق مع الحياة في بيئة مختلفة، بجانب النقاش الذي لا ينتهي حول السمات الفريدة لحركة الشمس في بعض مناطق العالم.

إذ أن هذه الحركة ذات أهمية كبيرة للشعائر الدينية التي يؤديها المسلمون في شتى بقاع الأرض، بل يمكن القول إن الإسلام هو أكثر الأديان الرئيسية على وجه المعمورة، التي ترتبط شعائرها بموقع هذا النجم العملاق في السماء.

وقد انعكس ذلك في ما ورد على لسان حسين عبدي يوسف، إمام مسجد الرحمة، أصغر المسجدين اللذين تضمهما جنبات ترومسو. فقد قال لي هذا الرجل الدمث عذب اللسان: "أراقب شروق الشمس وغروبها منذ نعومة أظفاري. وأنا أنصت إلى صوت المؤذن يرفع الآذان للصلاة خمس مرات يوميا"، طيلة فترة نشأته بين أسرة متدينة في الصومال، ذاك البلد الذي قال لي إن كل شيء فيه يتمحور حول "أوقات الصلاة"، تلك التي ترتبط كما هو معروف بحركة الشمس في السماء، بدءا من الفجر الذي يسبق الشروق وصولا إلى العشاء الذي يعقب الغروب.

وقد روى مسلمون آخرون في ترومسو قصصا مشابهة عن طفولتهم في دولهم الأصلية، فآنذاك كان موعدا الشروق والغروب أكثر انتظاما من نظيريهما في هذه المدينة النرويجية. من بين هؤلاء منصور وايزي، العضو في مجلس إدارة مركز النور، وهو المسجد الثاني والأكبر في ترومسو. فقد حدثني الرجل عن الكيفية التي اقتلع بها نفسه من كابول منتقلا إلى ألمانيا، وكيف كانت أوقات اليوم في العاصمة الأفغانية تتوزع بحسب مواقيت الصلاة، بينما كانت الأسبقية في ألمانيا لإيقاع يوم العمل.

وأضاف وايزي: "كان التغير الذي حدث في ألمانيا محبطا. لكن الشمس كانت على الأقل لا تزال تشرق هناك وتغرب!". فالرجل، الذي يعيش في ترومسو منذ عام 2007، لا يزال يتذكر كم كان مُربكا بالنسبة له في البداية أن يصلي المغرب في هذه المدينة، والشمس لا تزال في كبد السماء.

وربما يشكل تبديد هذا التشوش والارتباك، أو تخفيفه على الأقل، أبرز تحدٍ ذي صلة بالدين والعقيدة يواجه مسلمي المنطقة القطبية التابعة للنرويج. فالسؤال الذي يحاول هؤلاء إيجاد إجابة عليه يتمثل في "ما هو الحل الوسط المقبول الذي يمكن اتباعه عندما تمضي حركة الشمس على نحو لا يتوافق مع المبادئ الأساسية للجدول الخاص بمواقيت صلواتهم؟".

يقول أولي مارتين ريسان، وهو رجل من مواليد ترومسو تحول منذ سنوات إلى الإسلام: "لا نزال نحاول بلورة مثل هذا الحل". وقد كنا نتحدث في مطبخ مسجد مركز النور الواقع غير بعيد عن مسجد الرحمة، القريب بدوره من قلب الحي السياحي في المدينة النرويجية.

ورغم المساحة الفسيحة لمركز النور، الذي يقبع في مكان كان يُستخدم سابقا ستوديو للرقص، فإنه يغص بمرتاديه في أوقات الصلوات، بشكل يجعله يبدو ضيقا، خاصة خلال صلاتي الجمعة والعشاء، اللتين أديتهما هناك في بعض الأيام. أما اليوم الأكثر ازدحاما على الإطلاق من حيث عدد المصلين، فهو يوم عيد الفطر. فالعدد يتجاوز في هذه المناسبة المئة مصل، ما يجعل المسؤولين عن مسجد الرحمة - الذي أُسس عام 1991 ومركز النور الذي أُنشئ بعد ذلك بـ 15 عاما - يحشدان قواهم لإقامة صلاة العيد في صالة رياضة تابعة للبلدية، تشكل عادة مقرا لأحد فرق كرة السلة المحلية.

No comments:

Post a Comment